أبحث عن موضوع

الثلاثاء، 11 أغسطس 2015

صفقة حرب.. ( قصة قصيرة )..................... بقلم : سوسان جرجس // لبنان































فتحت عينيها... لا شيء سوى ظلام شديد يلفّ حبل الإعدام حول عنقها. جرّت قدميها وأنزلتهما من على السرير الواسع. ألم شديد يمزّق جسدها، يبدأ من أعضائها التناسلية ليغور حتى أعمق نقطة في أحشائها. تلمّست أعضاءها التي بدت مهشّمة. شعرت بسيل الدماء وهو يغزو بشرتها البيضاء. شيئاً فشيئاً أخذت تتكئ على قطع الأثاث حتى وصلت الى مقبض الباب، كان مقفلاً بإحكام. بصوت مغلّف بالموت نادت أحدهم. لا أحد يجيب، لكن هناك صوت حركة خفيفة في الغرفة المجاورة ممّا يعني أنّ الرجل ما زال هنا. نادته متوسّلة "أرجوك إفتح يا شيخ فأنا زوجتك!! ليس لي غيرك في هذه البلاد الغريبة!!". ليس هناك من مجيب سوى قطرات دمها التي باتت تتسارع لترتل أنشودة الشام الحزينة البعيدة!!
ثوانٍ معدودة سقطت ريم على الأرض مغشياً عليها. لا تعرف كم مرّ من الوقت حتى إستفاقت ثانية. وجدت نفسها لا تزال ممدّدة عند باب الغرفة والظلام يزداد إجراماً. عادت تنادي مرة أخرى "أرجوك إفتح يا سيدي!! أنت رجل متدين وتعرف الله جيداً!! أقسم برحمة أمي لن أخبر أحداً بمشكلتك!!"
من الغرفة المجاورة علا صوته بنبرة خليجية لم تكن قد تعوّدت عليها بعد "عليك وعلى أمّك اللعنة!! كيف أصدّق عاهرة مثلك؟!! أنتنّ الشاميات لا تسكتن على الضيم ولا يهدأ لكنّ صوت!! أؤكّد بأنكنّ ستكنّ أكثر أهل جهنّم!!".
بصعوبة شديدة زحفت ريم صوب السرير. سحبت عنه الغطاء في محاولة منها لتجفيف الدماء عن جسدها وإيقاف النزيف الذي كاد يغرقها في بحر الموت الذي هربت من مواجهته في سوريا.
سالت الدموع من عينيها بغزارة حتى بللت شفتيها الشاحبتين. كان مذاق الدمع مرّ كطعم قبلة أمها على الحدود السورية- اللبنانية لحظة الفراق الأبدي. كانوا قد هربوا من "وادي الخيل" الواقع تحت نيران كل من جبهة النصرة والجيش العربي السوري. قبيل الدخول الى الأراضي اللبنانية، وقرابة الساعة الواحدة ظهراً، فارقت والدتها المريضة الحياة لتتركها مع أربعة إخوة أكبرهم محمد البالغ ثلاثة عشر عاماً وأصغرهم هيثم ذي السبع سنوات.
في ذلك اليوم جمد الدم في عروق ريم. بدايةً لم تعرف ماذا تفعل! إنّها مجرد فتاة في الخامسة عشرة من عمرها. كان الأولاد الخمسة في ذهول شديد. إقترح محمد متابعة المسير للوصول إلى منطقة "عرسال" قبل أن يرخي الليل ستاره المفعم بالأسرار. رفضت ريم هذا الإقتراح. فكيف تترك جثّة والدتها في هذه الأرض الغريبة لترتسم فوقها وحشية الإنسان قبل الحيوان!!
نزولاً عند طلبها بدأ الجميع عملية حفر بالأيدي. قاربت الساعة الرابعة والنصف من بعد الظهر تقريباً. حفرةٌ لا تزيد عن نصف متر!! بالكاد تكفي لإخفاء جثة المرأة عن عيون المسلحين الذين لن يلبثوا أن يرتادوا المنطقة. جرّ محمد وريم الجثة. رموها في الحفرة. كادت الفتاة أن تسقط من فرط التعب. تمالكت نفسها. قطبت حاجبيها حتى غارت عينيها الخضراوين ضمن هالة من السواد الذي يحمل كل الشقاء. أشارت الى محمد بيدها كي يساعدها في ردم الحفرة. خلفَها كان هيثم يجلس مرتجفاً في حضن فاطمة، فيما نور تجهش بالبكاء.
تلى الأولاد سورة الفاتحة وتوجّهوا إلى داخل الأراضي اللبنانية. في عمق الليل وضعوا أقدامهم بين الخيم المنتشرة. أحد الرجال يوقظ مندوب التيار لإستقبال الوافدين الجدد. هبّ الأخير من نومه بكل النشاط والهمّة. بدا على وجه مساعده الإستغراب!! أيعقل أنّ "معلّمه" يمتلك كل هذه المشاعر الإنسانية؟!!
ما إن رأى الأولاد الخمسة حتى أمر لهم بخيمة وبطانيات ومواد غذائية.... طمأنهم بأنّ البلد بلدهم..... نظر في عينيّ ريم الخضراوين وتاه في أمر بعيد.... ربّت على كتفها... قال بحنان مفرط "لا تقلقي يا ابنتي!! كل شيء سيكون على ما يرام".
بعد حوالي شهر من هذه الليلة المشؤومة، ها هو مندوب التيار يرافقه "شيخٌ" غريب المظهر. عرفت ريم من لهجته بأنّه ليس لبنانياً، يبدو من ملامح وجهه ولحيته التي كساها الشيب أنّه رجل ستيني، يلبس عباءة بيضاء ويضع نظارات سوداء. إقترح المندوب وصاحبه الغريب على ريم السفر الى السعودية للعمل في صالون للحلاقة النسائية. "مهنة ستمدك بالمال الكثير لمساعدة إخوتك الصغار وإنتشالهم من هذا العراء المتوّج بالجوع والمرض..... فرصة تتمناها الكثيرات، ولكن الشيخ طوّل الله عمره شعر بالشفقة والتعاطف وهو يقرأ ملفكم"، هذا ما كان يقوله المندوب محاولاً إغراء الفتاة للسفر. حدقت ريم في وجه أخيها محمد تطلب المساعدة، أو ربما النجاة، ثم أجالت نظرها في الإخوة الثلاثة الصغار. كانت فاطمة شاحبة اللون جرّاء ارتفاع الحرارة التي حطّت رحالها في جسدها الصغير، فيما بدت نور وسخة المظهر جداً وشعرها ينسدل مشعثاً أمام عينيها الصامتتين. من الخارج تسمع ريم صوت شجار بين نازحتين على كرتونة مواد غذائية. أخذت نفساً عميقاً ونظرت في عينيّ الغريب. رغم الهيبة والوقار في محيّا هذا الرجل إنقبض صدرها بشدّة، ولكنّها قالت "هل يمكنني السفر للعمل وأنا ما زلت في الخامسة عشرة من عمري؟؟". تنهد المندوب وأردف بشيء من الحزن المصطنع "ليس صغر السن أبرز المشاكل في هذا الموضوع؛ المشكلة الأكبر هي في كونك فتاة لا يمكنك السفر إلى السعودية دون محرم!!". هتف محمد "أنا رجل!! يمكنني السفر لأعمل في صالون حلاقة للرجال". قطب مندوب التيار حاجبيه بغضب. تكلّم الشيخ بكلمات تكاد تبلّلها الدموع "كنت أتمنى ذلك يا بني!! ولكن لا حيلة لنا بهذا الموضوع!! فما أنا إلا عبدٌ مأمور ضمن جمعية خيرية كبرى. تنظر في المهن والوظائف المتاحة لنقدم طلباتنا على أساسها!!". سكت الغريب قليلاً، ثم أردف وهو يتأهب للخروج "إذا لم يناسبكم العرض إنسوا الموضوع يا أبنائي!!". إستجمعت ريم كل قواها وقالت "لا يا سيدي!! سوف أسافر!! ولكن كيف نحلّ مسألة المحرم". نظر الشيخ في عينيّ ريم وعاد للجلوس صامتاً، فيما تكلّم مندوب التيار بشيء من التذلل "إذا كان لا بدّ من مساعدتكم، فإنّ الشيخ طول الله عمره مستعدّ لأن يعقد قرانه عليكِ، راجياً ثواب الله جلّ جلاله". لم يترك الغريب لريم فرصة الإستغراق في الذهول وإنّما تابع خافضاً بصره إلى الأرض "أعوذ بالله من أن أكون ساعياً لشهوة النساء، فقد أغناني الله بثلاثٍ من المؤمنات الفاضلات، ولي من كل واحدة منهنّ ستة أبناء. إنّما أنا أرجو ثواب الله في مساعدة الأيتام والفقراء!!"
توقف شريط الذكريات حينما شعرت ريم بالباب يُفتح. مع إشعال اللمبة الكهربائية شعرت بدوار شديد، وبأنها لا تكاد ترى بوضوح. رأت نفسها وهي تتخبّط إختناقاً وكأنّ أحدهم سحب كامل الأوكسيجين من الغرفة. لا تذكر الآن سوى أنّها استفاقت وقد غيّر أحدهم ملابسها وتمّ إستبدال الشراشف الغارقة بالدم بأخرى بيضاء اللون. إلى جانب السرير كرسيّ خشبيّ تجلس عليه امرأة بدينة، تبدو في الخمسين من عمرها. لا تعرف ريم لِما أجهشت بالبكاء حينما نظرت إليها. لا تعرف لِما فكّرت بجثة أمّها وهي تُلقى في الحفرة. أمسكت المرأةُ بيدها وراحت تتحسس ظاهر كفها. برعب شديد سحبت ريم يدها والتفّت على نفسها باكية.
عادت بذاكرتها إلى الوراء بضعة أيام. ففي اللحظة التي دخلت بها الشقة في "جدّة" إنقلب "الشيخ" وحشاً بشرياً. أبعدته عنها بيديها الصغيرتين. قال إنّها زوجته على سنّة الله ورسوله، وبأّنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام تزوج عائشة أم المؤمنين وهي أصغر منها. المشكلة أنّها لم ترَ نفسها عائشة ولم تراه النبي!! هرّبت منه إلى غرفة النوم. نزع ثيابها عنوّةً. أراد إفتضاض بكارتها، ولكن- يا للعجب- لقد بدا عاجزاً تماماً عن إتمام أية علاقة جنسية. بعد ثلاثة أيام من وصولها، بدا الشيخ مصاباً بنوبة جنون هستيرية جعلته يفتضّ بكارة ريم بعصا خشبية كادت تودي بحياتها.
من جديد.... المرأة البدينة تتحسس يديّ ريم وجبينها. تتلو بعض الآيات القرآنية. وقبل أن تخرج من الغرفة تقول "لا داعي للفضائح يا ابنتي!! حاولي أن تتأقلمي مع وضعك الجديد!! فلربما تنجبين ولداً يخفف غربتك!!".
وفيما غابت ريم في غياهب الصمت الخليجية، كان صراخ الإخوة الأربعة في لبنان يعلو، وسياط الجوع والبرد تجلد ظهروهم؛ فيما كان مندوب التيار يستنشق رائحة الدولارات المكدّسة في مكتبه.
(سوسان جرجس)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق