نص ( أنا لم أمت كما توهم الماء) للشاعر عزيز والي
«أعراس أعراس أعراس نرفعها انتقاماً من الموت»
ادونيس .
أنا لم أمت كما توهم الماء
ولا كما خالتني الريح
هذا الباب الأزرق ..لن يخلف زرقة عيني ...
وهذه النافذة لن تقفل في وجه أصابعي ...
أنا لم أمت ...
كما لم اتبع صدى الغياب...
ولا أغوتني أبراج الغروب ...
قد بعتك ذاكرة الجرح ...
قد بعتك وصايا العذراء...
\\
ومواويل الشحاذين
وبائعي السجائر بالتقسيط ...
أيها المدفون في تربة الغواية
لا اشتهاء في هذا العراء
ولا قصيدة لهذا الفجر
لا نافذة تفتح في وجه دمك البارد ...
ولا شاءت أصابعك أن تنتسب إليك ...
أنا لم أمت كما توهم الماء ...
ولا كما خالني شط الخطيئة
ولا عملت بوصايا البحر
ولا خطب الأصدقاء السكارى
ولا بائعي الوهم لشجر النيلوفر*...
أيها الشط المسجع بأوراق الموت ....
أيها الخد الموشوم بقوافي الموتى ....
ماعاد لجينيريك* الغياب مساحة على هذا التل ...
ولا لبياضات الهيام موطن في دمي ...
قد لا أكون لذاكرة الوطن الموجوع ....
قد لا أكون لي ....
قد لا أنتسب لذاكرتي ...
فإليك يا دمي البارد المسير...
إليك المسير
...
الشاعر هنا لا يراقب العالم من خلال نافذة فكرية التخيل الشعري، بل يعيشه مع كل إرهاصاته النفسية المتحدية لكل وجع في جسده، و قد حقق هنا ألم الفرسان حين يمر عليهم الألم، وهذا يدل على أنه مر بأزمة ضاقت عليه الدنيا فتشبث بالماء الذي هو رمز الحياة وعلامة الطهارة، حين يطهر جسدنا من الدنيا. أي أنه عاش الصورة الإيجابية والسلبية لنفس الماء. فبقدر ما يكون هذا الماء هو أكسير الحياة وطهارتها، يكون هو الحالة السلبية في الطوفان وفي طهارة الجسد البشري عند الموت ...فالصورة الشعرية تتكون حين نزيح الواقع الذي حولنا من أجل أن نشكل منه أنساقا ذهنية تبعا لأنساق حلمنا الذي يعكس الواقع حولنا. وهذه الحالة تأتي بعد أن أصبح الواقع خارج قدرتنا الذاتية بتغييره إلى واقع نريد أن نعيشه حسب رغبتنا الكامنة في ذاتنا ... وهنا تبرز قدرة الشاعر على عكس هذا الواقع وتحويله إلى مساحة تشمل كل مكنونات الوعي، والذي يحرك بدوره أللاوعي فينا، وتتشكل هنا الصورة وبالطبع هذه الحالة بقدر ما هي مخاض ألم بقدر ما هي أظهار قدرة الشاعر وثقافته الروحية والذهنية. لأننا لا نقدر أن نخلق صورة مقاربه إلى الواقع إلا إذا امتلكنا القدرة على فرز هذا الواقع وتشخيصه ،من أجل أن نرفعه إلى مستوى الرمز. والرمز هنا يمثل امتدادات الشاعر الفكرية الثقافية .. والصعوبة هنا ليس في نقل الواقع كما هو بل في نقله إلى حالة الحلم الصوري، وتأويل هذا وفق معاناتنا التي نعيشها وعشناها، أي أعادة صياغة هذا الواقع وسحبه إلى الفكرة التي نؤمن بها وصياغته من جديد وأعادته إلى وضعه لكن بعد إضافة التغيير الذي ننشده من خلاله وننسج منه الصورة التي نرغبها، وهذا يحقق من خلال ذاتنا بعد دلالي وصيغ فكرية تفجر شاعريتنا وفق وحدات لفظيه تخضع في بنائها لمقاييس الخطاب الشعري وجماليته، لأننا حين ننقل الواقع كما هو بدون هذه المرحلة يتحول إلى خطاب صحفي بدلا من الخطاب الشعري. والشاعر عزيز الوالي أثبت قدرة رائعة على أحداث الانزياح الكامل إلى الواقع الذي مر به من خلال تجربة مرضه( الصحة الدائمة له) وأحدث فيه التأويل الذي ينشد، متجاوزا كل حالات تعبه من أجل استمرار روح الشاعر فيه بخلق الدلالات الشعرية الصورية، بالرغم من ضغط المعاناة التي عاشها، أي أستمر بالخطاب الشعري بمنحنى عمودي عميق، بدل أن تجعله هذه المعاناة يأخذ منحنى سطحي يفقده الإيقاع الداخلي للخطاب الشعري، متحركا بإمكانياته الثقافية في تحديد مسار اللغة الشعرية التي هي بقدر ما تمتلك التأويل الدلالي في تحقيق المعنى، تمتلك الوضوح الكامل في نسيج خطابه الشعري. والشاعر أمتلك روح تحدي عالي، أي صعد عنده الانفعال إلى درجه عالية وهذا الانفعال أستطاع أن يحوله من انفعال مألوف وعادي إلى انفعال شعري. أي أستطاع أن يمسك بقوانين البلاغة النحوية الشعرية، أي أستمر باحتفاظه بالقوة الإيحائية التي تنضج الفكرة التي تكون المعنى في النص الشعري. وهنا هو حقق انتصارين، انتصار على المرض وانتصار على قوانين الشعر بإنتاجه نصا ناضجا بكل أبعاد النضج الشعري .
أنا لم أمت كما توهم الماء
ولا كما خالتني الريح
هذا الباب الأزرق ..لن يخلف زرقة عيني ...
وهذه النافذة لن تقفل في وجه أصابعي ...
أنا لم أمت ...
كما لم اتبع صدى الغياب...
ولا أغوتني أبراج الغروب ...
وكما قلت سابقا جعل من الماء الذي هو رمز الحياة رمزا إلى نهايتها لأنه كما قال تعالى ( وخلقنا من الماء كل شيء حي)و الشاعر بقدرته الشاعرية باستمراره بأنساق الشعر، حيث هو استخدام فني للطاقات الحسية والنفسية والصوتية للغة بدل أن يجعل تجربته الجسدية في المرض تداعيات ذهنية خارج ذائقة الشعر. أي تصبح هذه المعاناة على شكل كلمات مبعثرة لا نسق بينها، ولكنه أستطاع أن يخلق نصا مترابطا يحتوي كل متطلبات الشعر من توفر الفكرة والمعادل الموضوعي والإيقاع الداخلي.
وهنا أتذكر الشاعر العراقي الكبير بدر السياب الذي جعل من معاناته مع المرض نصوصا شعرية رائعة، وأستطاع أن يوصل إلى المتلقي ما أراد أن يبين له من حالة الألم الذي يعيشه والشاعر عزيز والي أحتفظ بالمجاز الشعري، لأن الشعر بدون مجاز يصبح خارج دلالات الشعرية و كما قال أودنيس ( الشعر بلا مجاز شعر بلا شخصية )والشاعر أحتفظ بشخصيته الشعرية كما أستطاع الاحتفاظ بنمطين من الاستجابات النفسية الشعرية وهذا بالطبع يرتكز عليه المعنى الذي يوصل إلى الصورة التي تجمع نمطين متضادين. وقدرة الشاعر هنا تكمن في أنه أستطاع أن يجعل هذين النمطين يتفاعلان بينهما بدل أن يفترقا. وهذه الحالة من التفاعل ينتج منها فعلا لكشف البحث والإضاءة في أغوار النفس ومعاناتها من أجل تحقيق المستوى الدلالي والنفسي في الصورة ضمن النص (أنا لم أمت كما توهم الماء/ولا كما خالتني الريح )فهو يعكس رمز الماء من عنصر الحياة إلى رمز يكون فيه نهاية الحياة، وكما قلت سابقا أن الشاعر جعل من النص على مستوين من تضاد الحياة واللا حياة حيث أستخدم الماء والهواء وهما عناصر الحياة. وهو هنا بدل أن يترجاها تحداها لأنه بقدر ما يدرك أنهما عناصر الحياة حولها إلى عملية تحدي إلى الموت، وهذه قمة الفروسية، وهو بهذا أحدث انزياحا كاملا إلى تحقيق الرمز التأويلي. وأي أنه جعل من التضاد عملية مفتوحة، وليس مغلقة وهذا بالطبع ما يجعلها تتفاعل بمنحى عمودي لتخرج من نهاية النفق المرضي أكثر حياة أكثر أملا .أنها رحلة ملحمية تدهش المتلقي بإصراره على الحياة والأمل الذي فيها. وأنا أعتبر هذا النص ، نص الأمل ضد اليأس ...ويتفاعل هذا التضاد ليبقي عملية التحدي الكبير، حيث يمثل المقطع التالي وما ترمز له الزرقة بأبعاد زرقتها التي هي زرقه السماء (هذا الباب الأزرق ..لن يخلف زرقة عيني ... /وهذه النافذة لن تقفل في وجه أصابعي ... /أنا لم أمت)...
هنا تضيق الدنيا بعينه بالرغم من وسعة السماء فلا يستطيع أن يراها إلا من خلال النافذة التي يحاول أن يحركها لتبدو أكثر أتساعا، ولكن أصابعه لن تصلها بسب المرض الذي يعيشه. وهنا ذروة التحدي في التشبث بالحياة. وما السماء إلا رمز إلى وسع الحياة لكن هنا ضاقت عليه إلى قدر لا يستطيع أن يراها إلا من خلال هذه النافذة. فهو لا يستطيع أن ينهض من رقاده فقط يحرك أصابع يده ليفتح بها نافذة سماء الحياة. لكن بالرغم من هذا أن الغياب لا يغويه ولا يثنيه عن التشبث بالحياة رغم أنه وصل إلى حد لا يستطيع أن يحرك سوى أصابعه. فهو يسمع صدى الغياب ويرى أبراج الغروب ولكنه لم يفقد الأمل، وهذا هو سر الحياة في عمق الشاعر ( كما لم اتبع صدى الغياب... /ولا أغوتني أبراج الغروب )
قد بعتك ذاكرة الجرح ...
قد بعتك وصايا العذراء...
ومواويل الشحاذين
وبائعي السجائر بالتقسيط ...
وهذا المقطع بالرغم من روحه المتحدية لمرضه، هنا يشتد المرض عليه إلى حد يتحاور مع شبح الموت. أي أن الألم يتصاعد في جسده إلى حد جعله يرى هذا الشبح أمامه وهذا ما يدخله بحالة من الهذيان والسخرية عليه أي على شبح الموت، حيث ينتقل من ذاكرة الجرح ووصايا العذراء ..والشاعر هنا يمر بغمامة من الألم الكبير، فهو حين يحاور الشبح يذكره بالرغم أنه نسي جرحه وألمه وتخلى حتى عن وصايا العذراء من أجل التخلص من هذا الجرح العميق في جسده وروحه ،أي أنه يمر بحالة من الانفلات اليقيني وبالطبع بسب الألم ومرضه ..فهو تخلى وباع مواويل الشحاذين وبائعي السجائر بالتقسيط. أي انه لا يريد من الحياة سوى أبسطها وأقلها، مجرد أن يتخلص من الألم، أي أنه لا يريد شيئا من هذا الشبح حيث تخلى عن أحلام وأمال الشحاذين و وبائعي السجائر لايريد سوى أزالة هذا الألم الذي يعاني منه
أيها المدفون في تربة الغواية
لا اشتهاء في هذا العراء
ولا قصيدة لهذا الفجر
لا نافذة تفتح في وجه دمك البارد ...
ولا شاءت أصابعك أن تنتسب إليك ...
هنا الشاعر ينتقل من شبح الموت إلى مرحلة أكثر اقترابا من الموت نفسه، بعد أن فقد الأمل بإيجاد الجواب لأسئلته عند شبح الموت. ينتقل إلى الحالة الثابتة بدل الحالة المتحركة، لأنه أتعبه التحديق فيما حوله فأنتقل إلى ذاكرته، أي غاب إلى روحه وذاته. وهذا يدل على أن الألم أصبح يطغي على جسده بشكل كبير إلى حد لا يستطيع تحمله، فينتقل إلى البعيد لغياب وعيه عما حوله فيتذكر أحد أحبائه الذين أخذهم الموت ( أيها المدفون في تربة الغواية/لا اشتهاء في هذا العراء )
ليبين له أن الحالة التي وصل أليها هي نهاية كل شيء، فلا أمل أو رجاء لها سوى السكون التام، والشاعر هنا يعيش أقصى حالاته الصوفية العميقة لوجدانه المتحدي، حيث هنا يريد أن يقنع هذا الوجدان، لماذا هو متشبث بالحياة. وبالطبع هذا تراجع عن قوة تحديه إلى الموت، ولكنه لا يفقد هذا التحدي بل يجده تبريرا من أجل أن يتشبث ويكبر ويستمر في هذا التحدي. وهذه طريقة الفرسان بالتغلب على الألم والمرض الذي يعيشه (ولا قصيدة لهذا الفجر/لا نافذة تفتح في وجه دمك البارد ... /ولا شاءت أصابعك أن تنتسب إليك ... )وهذه هي حالة السكون التام في الموت، حيث لا فجر ولا نافذة تفتح ولا حركة حتى أصابعه لا تنتمي إليه ولا يستطيع أن يحركها، وحتى لا يمتلك روحه المحركة الأساسية إلى القوة الخفية التي تمده بقدراته التخيلية المنتجة لقوته الإيحائية، التي تعطي إلى الشاعر الفكرة والمعنى الموصل إلى الكلمات التي تحدد شكل ومضمون القصيدة. وهنا يحدد الفجر ليدل على هذا التثبيت إي أن روحه انتهت بحيث لا يلهمها الفجر الذي يرمي إلى التغيير ومجيء يوم جديد
أي أنه لا يعيش إلا زمنا واحدا بدون أي تغيير من الليل الطويل بدون فجر . والشاعر هنا أستطاع أن يمتلك رمز عالي المعنى وأستطاع أن يحافظ على قدرته الشعرية المعروفة، والتي يتميز بها عن غيره بقوة الإيحاء والبحث عن الكلمات التي تخصب اللغة ضمن النص الشعري لأنه بهذا المقطع ( ولا قصيدة لهذا الفجر) أراد إن يعطي إلى روحه التي تعاني المرض قوة من أجل التشبث بالحياة، لأنه بقي يعاني كشاعر يمتلك مساحات الشعر الواسعة التي تضم المعنى وأحداث الانزياح إلى التأويل للواقع الذي يريد أن يوصله إلى الفكرة المنتجة للصورة الشعرية. وهذه حالة رائعة وجميلة وأعتقد أن هذه القصيدة أجمل ما قرأت وكذلك رائع أن يستمر الشاعر محافظا على هذه القدرة الشعرية بالرغم مرضه القريب من الموت .
أنا لم أمت كما توهم الماء ...
ولا كما خالني شط الخطيئة
ولا عملت بوصايا البحر
ولا خطب الأصدقاء السكارى
ولا بائعي الوهم لشجر النيلوفر...
يستمر الشاعر بهذا التشبث بالحياة بقوة أعلى من مرضه في الجسد ، الشاعر هنا يتراجع عن ابتعاده عن حالة اليقين التي ذكرها في المقطع السابق، كما ينفي عنه حالة الخطيئة وهو هنا بقدر تصاعد حالته من بيعه وصايا العذراء (قد بعتك وصايا العذراء) أستطاع أن يوفق أو أن يوصل ما أراد أن يوصله إلى المتلقي. أي الرغم من أنه لا يمتلك حالة اليقين الكاملة ولكنه في نفس الوقت لا يمكن أن تغويه الخطيئة، بسبب عدم استجابة العذراء إلى رجائه بالشفاء من هذا المرض. ومع هذا فأنه لن يغويه هذا الشط بالخطيئة (أنا لم أمت كما توهم الماء... /ولا كما خالني شط الخطيئة) أي أنه الرغم من الأيمان بأن الآلهة لا تستجيب إلى دعائه بالشفاء، لكنه في نفس الوقت لا يفكر بالخطيئة، كما أنه لن يؤمن بوصايا البحر، لأن كل بحر لابد أن ينتهي إلى شاطئ. أي لا يريد أن ينتهي كما ينتهي البحر . كما أن الشاعر هنا يدرك رسالته في الحياة، فلا يريد أن يصل إلى حالة أصدقائه السكارى الذين يسلمون إلى الموت ببساطه بسبب فقدهم الذاكرة، وعدم معرفتهم الاتجاه الذي يريدون أن يصلوه. أي أنهم فقدوا حرية الاختيار في الحياة بسبب إدمانهم السكر، كذلك الشاعر هنا يؤكد حقيقة جوهرية في أزمة الإنسان في الوجود في موته ونهايته المفجعة في اختياراته والاستمرار بهذه الاختيارات، لأنه محاصر بالنهاية وبالموت على أمل أن يبعث من جديد في حياة أخرى، وهذه تشكل أزمة الإنسان. أي أن الشاعر أراد أن يدين قوة طبيعة الآلهة بهذا الاختيار في حالة الموت وفي نفس الوقت يسخر من البعث من جديد بحياة أخري ما بعد الموت ( ولا خطب الأصدقاء السكارى/ولا بائعي الوهم لشجر النيلوفر... )وهو هنا يتصاعد عنده المنحنى إلى حالة الميتافيزيقية والوجه الغائب في الكون ،وتلتصق روحه بحالة من الصوفية العالية في الرؤيا، ليفند القوة الخفية الغيبية والحياة ما بعد الموت. حيث تمثل أن شجرة النيلوفر بقدر تفتحها بوجود الشمس، ولكنها تضم بعضها إلى بعض حاضنة أحد الطيور لتغيب في الماء، ومن ثم تعود مرة أخرى في الصباح بتفتحها من جديد كالحياة بعد الموت.. وهذا يدل على أن الشاعر وصل إلى حالة شديدة من المرض، ومع هذا يزداد تشبثه بالحياة باعدا عنه القناعة بوجود الحياة بعد الموت، لكي يبقى متشبثا بحياته إلى أخر نفس منها ،وهذا إصرار أسطوري ملحمي بالحياة وهذا جدل في الدلالات الإنسانية حيث يريد أن يبقى الإضاءة في روحه المتشبثة بالحياة، وحتمية انتصار النور على ظلام المرض. والشاعر أستطاع أن يبني بناءً معماريا لغويا عالي التجانس والمعنى. لأن الشاعر يتصاعد إلى حالة من الصوفية الوجودية والصيرورة في التوغل في النفس وأعماق الذات، من أجل مواجهة المطلق الذاتي والتوصل فينيقيا الى الإعادة إلى الحياة بالرغم من المرض. أي أن الشاعر هنا يسعى إلى الجمال المطلق في روح الإنسان من أجل المقاربة الأبدية في الوجود وجمالياته، وهو بهذا تمسك بقوة بالمعنى العرفاني والمقدس في روح الإنسان وأبديته بدل الموت بشكل مجاني.
أيها الشط المسجع بأوراق الموت ....
أيها الخد الموشوم بقوافي الموتى ....
ما عاد لجينيريك الغياب مساحة على هذا التل ...
ولا لبياضات الهيام موطن في دمي ...
تشتد الأزمة المرضية على الشاعر إلى حد يناشد أهل القبور لإحساسه باقترابه من الموت، حيث تتصاعد عنده الرؤيا كأنه بحالة من غياب الوعي، لكنه مع هذا يمتلك إصرارا سطوري على التمسك بالحياة ( أيها الشط المسجع بأوراق الموت / أيها الخد الموشوم بقوافي الموتى ) فهو هنا يصف المقابر بالشط ليدل على أن الموت مستمر، لأن الشط كما هو معروف يمثل النهرو استمرار جريان الماء. وهنا أستخدم الشاعر حالة سكون وحركة، حيث يمثل الشط حالة السكون والنهر يمثل الحركة ليدلل على أن الحياة مستمرة بالرغم من أن الموت كذلك مستمر ،وهو هنا يمتلك رؤيا شاملة إلى الحياة بكل أبعادها الإنسانية ومصيرها المجهول ولا معنى في الحياة. حيث يضع الحالة الساكنة أمام حالة الحركة وقد تطورت هذه الحالة من التشبث بالحياة إلى حالة من الطوبائية عالية الميتافيزيقيا والوجودية .مع هذا نص الأمل ضد اليأس والاستسلام المجاني إلى الموت (ما عاد لجينيريك الغياب مساحة على هذا التل ... /ولا لبياضات الهيام موطن في دمي... )ويستمر الشاعر بتأكيده على قيمة الحياة بالنسبة إلى الإنسان، حيث يمثل الجينيريك بداية ونهاية العزف. أي أن الحياة تنعدم جدواها بسبب الموت المتحقق في حياة الإنسان، وهو هنا يتهم القوة الغيبية بوضع البداية والنهاية، كالمخرج في الأفلام الذي يحدد الموسيقى في بداية الفلم ونهايته. والشاعر هنا يرى أن الإنسان مسلوب الإرادة في الحياة. أي أنه مسير فيها ولا يعرف حتمية نهايته. والشاعر بهذا أستطاع أن يصل بمخاضات تعمق لديه أحاسيسه التي تتفاعل مع الطبيعة العميقة فيه، لتنفرج هذه الأعماق إلى التطور المتوالي أثناء عملية الخلق الشعري، ليكون بحالة من الانفكاك من أزمته وينتج هذا النص.
قد لا أكون لذاكرة الوطن الموجوع ....
قد لا أكون لي ....
قد لا أنتسب لذاكرتي ...
فإليك يا دمي البارد المسير...
إليك المسير ...
وهنا تؤكد القصيدة تطور أحاسيسه بشكل متوالي، لتخلق جملا شعرية تلو الأخرى وتخلق إلى الشاعر مناخا ينقل حالته التي يعيشها بشكل جميل ومتوالي، لكي لا تحدث لدية حالة توقف بسبب هذا المرض. مع أنه وصل إلى حافة الموت والاستسلام الكامل إلى الموت، لأنه يتذكر الوطن الموجوع بقضاياه، والتي تجعل هذا الوطن لا يتذكره. أو أن الشاعر يعكس وجعه على الوطن ليراه موجوعا كوجعه لهذا هو لا يتذكره (قد لا أكون لذاكرة الوطن الموجوع .... /قد لا أكون لي .... / قد لا أنتسب لذاكرتي) ... فيؤكد عدم تذكر الوطن قد يرجع إلى تعب ذاكرته، وهو هنا لا يريد أن يعتب على الوطن بعدم تذكره، وقد يكون هذا بسبب ذاكرته وضعفها أو بسبب غيابه عن الوعي إلى حد الاستسلام إلى الموت. فهو لم يعد يتذكر أي شيء فهو سائر إلى الموت فدمه برد، وهذا يدل على أنه في حالة من موت الذاكرة وعدم الوعي بكل شيء موجود حوله. بالطبع أقرب شيء إلى ذاته هو الوطن، وهو هنا يريد أن يتشبث بذاكرته من خلال تذكره إلى ذاكرة الوطن، مع أن دمه بارد المسير أي لم تعد له ذاكرة سوى ذاكرة الوطن.الشاعر أستطاع أن يكون علاقات جمالية لدعم التوتر الشعري المؤثر، بلغة تحاكي الصورة الشعرية بكل أبعادها البنائية، لمعمار أكثر تنظيما من أجل التمسك بكافة مستويات التحسس والترابط العضوي، حيث يحدث انفتاح على كامل البناء اللغوي المؤثر، وقد أستطاع الشاعر التحكم بمخارج أنتاج اللغة لكي يحكم تنقلاته المتوقعة وغير المتوقعة بذاكرة محتفظة برؤاها الفنية في تكوين نسيج شعري خارج النص المألوف، لأن الشاعر توالى في استدراج اللغة التي تشكل عمق الصورة الشعرية بتوتر متصاعد إلى أخر النص، مع مخيلة شعرية تديم هذا التوتر، وفق لغة الشاعر المؤثرة بشكل انسيابي و ملحمي، ليخلق نصا رائعأ وجميلأ وغير مألوف، لأنه نقل تجربته مع المرض الموصل إلى حافة الموت. وقد أستخدم الشاعر هنا عملية التداعي الحر في طرح هذه التجربة، مالكا الوعي التام بالكلمات بالطريقة السريالية الصوفية. أي إن الشاعر أخرج الكلمات من نسقها المألوف إلى مساحات الميتافيزيقيا والحقائق اليقينية للإنسان في الحياة .
*للنيلوفر : فهي زهرة النيلوفر التي يقال إنها نبتة هندية الأصل تنبت من تلقاء نفسها في الماء العذب وتواجه هذه الزهرة مطلع الشمس وتزداد تفتحا كلما ازداد سطوعها وحين يأتي الغروب تأخذ أوراقها في الانضمام حتى تغطس في الماء والعجيب أن طائراً لطيفا يتدانى منها عند مهبط الشمس فتنضم أوراقها عليه وتغيب به في الماء وتظل كذلك طوال الليل فإذا حل الصباح طفت الزهرة على وجه الماء وتفتحت منها الأوراق وانطلق منها الطائر الذي غمرته بالحنان الليل كله
*كلمة الجينيريك : هي الموسيقى التي تسبق بداية أو تصاحب وتعلن عن نهاية أي برنامج تليفزيوني أو مسلسل أو فيلم ... , فهو مصطلح مقتبس من عالم الإخراج و الإنتاج التليفزيوني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق