القصيدةُ المتمرّدة
(من الخليج الى المحيط)))
على هامش مهرجان المربد الثاني عشر
كتابة : علاء حمد
القصيدة المتمردة ، هكذا سماها الشاعر العراقي عبد الجبار الفياض ، ليوجهها سهما لاذعا لمهرجان المربد بدورته الثاني عشر ..
انه ليس زرقاء اليمامة ، ليفتش عن بصر ويرى ما يراه عبر الصحراء ، انه ابن البصرة وابن الجنوب ، لذلك هو الأقرب الى مواقع الاحداث ومهرجان المربد البائس ، الشاعر لن يجد أمامه غير أن ينعي المهرجان بقصيدة ، وهو يتحلّى برؤيا جذابة ، ليقيّم المحاسن والبديع بين المفردات الشعرية ..
نحن الآن أمام زمن النص ومكانته بين النصوص ، التي أراد منه الشاعر أن يشغل ولو حيّزا ضعيفا كي يصل صوته الى أبعد نقطة من نقاط المعمورة العراقية ..
ومن هنا يحدّد الشاعر زمانه بالزمن الثقافي ، والمحدد بعلاقته مع الزمن الاجتماعي أولا بالمكونات المعرفية والأيدولجية ، ويحدد لنا القدرة الإستعيابية ( سعة ) للمجال الّذي يتحرك فيه المكوّنات لتنتقل من المعرفي الى الآيدولوجي ، ومن هذا التماثل الشعري فقد حدد الشاعر الفضاء الزمكاني للنص من خلال بوابته الواسعة ( العنونة ) ؟، وقد قادنا مع العلامات المرسومة ، والتي زرعها الشاعر لتكوّن الطرق المبلطة نحو الدلالات .. لنقرأ :
شمعٌ أحمرْ
سيفٌ أحمرْ
حاجبٌ
شديدُ الحُرصِ على فئِ سيدهْ . . .
قَطَعَتْ لسانَهُ نَعَمْ
فكانَ
ثُغاءً بنقيقْ . . .
وضع الشاعر السكون ( وهي احدى العلامات الرمزية التي تقودنا نحو الدلالات ) في نهاية المفردات الشعرية ، وذلك لجعلها ثابتة دون حراك ، هذا يعني النصّ المسكّن يبوح لنا بمعارضة للحدث الذي تناوله ، لان كلّ شئ غير متحرك ، الوجوه نفسها ، زائدا صوت نقيق الضفادع ، وهي تصرخ ليلا ليس لديها ماتقدمه في ضفة المستنقعات ، تحولات ذكية من الشاعر وهو يقودنا مع رمزية واضحة ، فالشمع الاحمر ، الدكان مختوم بهذا الشمع ، ويريد من الدكان ( هو مهرجان المربد ) الذي تحول الى بيع السلع الغير محسّنة ، وسلعة الشاعر هو الشعرية ورؤيته نحو الاخر ...
وقد أعطى الشاعر عبد الجبار الفياض رصيدا محركا للقصيدة عبر الرموز التي تدلنا على الدلالات التي أعتمدها ، لتمثّل رؤيا الشاعر والنزول الى جوهر القصيدة ، ومن دون انحياز للغة التي استعملها ضمن الشاعرية والرمزية ، فقد جعل سورها مغطّى بالنقد غير المباشر وترويج قضية يعاني منها المثقف في بلاد ما بين خنجرين ( ان صحّ التعبير ) ، فقد انفرد بعض منظمي المربد بشكل مزاجي باستدعاء هذا وذاك دون معايير شعرية تذكر ، ويبقى الصديق الأقرب ( رض ) هو صاحب الميزة للنبي الذي يوجّه بعصاه مربده المخنوق ... لنقرأ :
لم تكشفْ ساقيْها أمامَ السّلطانْ
لم تلعقْ أصابعَهُ المُقدسةْ
لم تُصفقْ لخطابِ فخامتِهْ
ما انحنتْ عندَ مرورِ موكبهِ الشّريفْ . . .
غمزَتْ
لمزَتْ
بَصَقتْ
واعتذرتْ للرصيفْ. . . !
.
من هي هذه الفاتنة التي لم تنحن لموكب السلطان ؟
من هي تلك العجوز التي سترينا الشعر في بلاد الشعر على مرّ التاريخ
من هو ذلك الغلام الذي سيعلمنا تفعيلات الخليل وماقبل الخليل ؟؟
هنا الشعر وهنا الحاكم الشعري ، هنا ليست مطعما لأكل المأكولات الشعرية الجاهزة .. فهذه الجاهزية التي انطلق منها الشاعر ، اعلنت حدادها على الشعر ويوم الشعر ، ويوم الى الشعراء يبعثون ..
وقد انتمى الشاعر الى روائع ما كتبه مما ربط المفردة المتقدمة بالخيال وبعلم النفس والأخلاق والجمال التي يستعان بها في تأدية رسالتها، ويُمَكنها من بلوغ هدفها، وهو: الشعور بالأريحية وكسر عزلة البلاغة ووصلها بالحياة .... ومما يدل على أن الصورة الشعرية لا يُجتنى ثمارها في واقع الحال ولا يُعرف وقعها في الكلام ولا أثرها في النفس إلا بتذوقها والوقوف على محاسنها والإحساس بروعتها وجمالها.. وهذا – عينه – هو ما ينادي به أنصار التخييل والاتجاه النفسي وغيره من المجددين الذين لا يحلو لهم إلا الغمز بالحق والباطل في الأقدمين وفيما خلفوه من تراث تليد، شهد به وله الأعداء قبل المنصفين من نقاد العرب ومنظريهم . لغة الشعر السميائية التي كانت رصيد الشاعر في البحث عن معان يوجدها الرمزيون ، هي التي غطت لنا سيولة القصيدة ، واعطت جداول جديدة في المعاني التي اعتمدها الشاعر :
أفاعيَ
تخنُقُ أخا ثقيفٍ في منامِهْ
تقلّبُهُ ذاتَ يمينٍ
ذاتَ شمالْ . . .
ليسَ كمثلِها أُوقدتْ نارٌ للنّمرودْ . . .
.
تلك الأفاعي ، نعم .. وأفعى تلو أفعى ، وحالة التمرّد للقصيدة التي أمامي ، وقد أعطى الشاعر مجازها ، وأعلن اجازتها بأن تكون ذات هدف سليل للبصيرة بين الشاعر والآخر ، وهنا تكمن الكينونة الشعرية ونزولها بشكلها المبرمج من الذهنية وما بين مفردات الهمّ الروحي للشاعر ..
أن الشعر الحديث مفهوم جديد للشعر وللحياة معاً. الحداثة ليست جزئية فيكون الشاعر حديثاً في الحياة مقلداً في الشعر أو التفكير، بل هي مفهوم شامل يعود إلى العقلية أولاً. وعلى هذا الأساس فإن الحداثة كما يقول يوسف الخال ((حركة إبداع تماشي الحياة في تغيرها الدائم، ولا تكون وقفاً على زمن دون زمن، فحيثما يطرأ تغير على الحياة التي نحياها فتتبدل نظرتنا إلى الأشياء يسارع الشعر إلى التعبير عن ذلك بطرائق خارجة عن السلفي والمألوف .. مجلة شعر )). فالحداثة الشعرية خروج عن الطرق التعبيرية المألوفة نتيجة تطور معرفي بتطور الحياة ذاتها. فلا يمكن للشاعر أن يطور في أدواته الفنية دون أن تتطور معرفته بما حوله. على أن التعبير الجديد يبدو انعكاساً طبيعياً لتطور نظرة الشاعر إلى الحياة الجديدة . فهو ليس خلقاً وإبداعاً لأنه يماشي الحياة ولا يسبقها يتبعها ولا يقودها. الشعر هنا يواكب الحياة، يتغير بتغيرها ولكن لا يغيرها. وهذا فهم سلبي للشعر من حيث أراد صاحبه عكس ذلك. فحداثة الشعر هنا تابعة لحداثة الحياة .. ومن هذه البصيرة النافذة ، يتكئ الشاعر ليقدّم شخوصه وتشخيصاته ، وما جاء به مهرجان المربد من بؤس اليه والى الاخر ، نظرة بصرية جريئة يتحلّى بها الشاعر عبر قصيدته الموسومة والتي سأقدمها كاملة للقراءة ...
.
القصيدةُ المتمرّدة (من الخليج الى المحيط)
على هامش مهرجان المربد الثاني عشر
قُمْقُمْ
عصا
حقائبُ مُغلقةْ
تذهبُ
ولا تأتي . . .
شمعٌ أحمرْ
سيفٌ أحمرْ
حاجبٌ
شديدُ الحُرصِ على فئِ سيدهْ . . .
قَطَعَتْ لسانَهُ نَعَمْ
فكانَ
ثُغاءً بنقيقْ . . .
. . . . .
لم تكشفْ ساقيْها أمامَ السّلطانْ
لم تلعقْ أصابعَهُ المُقدسةْ
لم تُصفقْ لخطابِ فخامتِهْ
ما انحنتْ عندَ مرورِ موكبهِ الشّريفْ . . .
غمزَتْ
لمزَتْ
بَصَقتْ
واعتذرتْ للرصيفْ. . . !
. . . . .
رُمِيَتْ بدسِّ السّمِّ في مائدةِ السّلطانْ
فرشتْ مضجعَهُ شوكَ قتـادْ
أزاحتْ عن ناصيتهِ الكريمةْ
آخرَ قطرةْ . . .
مسعوراً
ولّى
ينهشُ خاصرةَ أمّهْ . . .
. . . . .
اضربوا عُنقَها
تلكَ التي كانَ يُقالُ عنْها
أنّها تلقفُ ما يُلقى منْ حِبالْ . . .
اجلدوها
يُريدُها السّلطانُ غُصناً ليّـناً
قطعةَ سُكَّرْ
يتهافتْ عليها ذُبابُ القصرْ . . .
. . . . .
هتكتْ مخبوءاً في كهْفِ علي بابا
أَرغفةً من فضة
ولحمَ طيرٍ من ذهبْ. . .
أغوتِ الصغارَ بالحَصا لرجمِ جوعٍ
قابعٍ تحتَ زَبَدْ . . .
لعَنتْ زمناً أعجفَ بعينٍ واحدةْ
يتفيّأُ عباءةَ غيْرِهْ
وحصيدُهُ
تُرابُ عِشْقْ . . .
. . . . .
هزِئتْ من واعظٍ
يتنفسُ تحتَ أُبطِ أمسهْ
ورِثَ الزُّلفى من صُلبِ أبيهْ
كَتَبَتْ على دارهِ
لا يَرى خنزيرٌ قُبّةَ السّماءْ !
. . . . .
رمتْ الرّمادَ في عيونِ السّامريّ
شحذَتْ لرجلٍ من غِفارٍ
سيفَهْ . . .
كانتْ شَرّاً
تأبطَهُ صُعلوكٌ . . .
سهماً
في كبدِ الأخشيدي
لم ينتزعْهُ زمنْ . . .
أفاعيَ
تخنُقُ أخا ثقيفٍ في منامِهْ
تقلّبُهُ ذاتَ يمينٍ
ذاتَ شمالْ . . .
ليسَ كمثلِها أُوقدتْ نارٌ للنّمرودْ . . .
. . . . .
أطفَأتْ مجامرَ عرّافينْ
يبقّعون الأرضَ بسوادهمْ
أخرجتْ من الأفواهِ حروفاً ميّتةْ
صرخةً
خرقتْ قبورَ الأحياءْ . . .
لمّا تَزلْ
في كانونَ
يتجمّدُ عندَ اقدام ِوثبتهِ الخوفْ
جُرحاً
يتمتمُ بأسماء
تكوّرتْ بعينِ الشمسْ
عدويّةْ
بهيجةْ
جعفرْ . . .
رويدكَ
هنا محرابٌ
صلّتْ فيه دماءْ!
. . . . .
بَنَتْ صروحاً للحلاّجْ
للسّكيتْ
لنيرودا
علّقتْ فرانكو من أُذنيهْ
وعلّقتْ لوركا على صدرِ زمنهْ
ضوءاً يُسمَعْ !
. . . . .
إنّها أمراةٌ
ضُبطتْ في بيوتِ الطّينِ من غيرِ حجابْ . . .
تُوقظُ الدّيكَ من نومهِ العميقْ
تحاورُ التّنورْ
تلعنُ العُتمةْ
تضاجعُ الفرجَ القريبْ . . .
إنّها أمرأةٌ
أحبّتْ
كُلَّ شئٍ
يكرهُهُ السّلطانْ . . .
. . . . .
إحصبوها
حدَّ الموتْ
ادفنوها
من غيرِ كَفنْ . . .
لكنَّ الثُّريا
لا يُلحدُها ثرى
يا حضرةَ السّلطانْ !!
. . . . .
عبد الجبار الفياض
6/كانون/2016


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق