ما الذي يحدث ليَّ!.. يملؤني الخجل من ملابسي الصبيانية، ولم تعد لي رغبة في الاستمتاع بأنغام الطفولة، أنفر من اللعب معهم. أستمتع بالنظرات الشهوانية وهي تفترس جسدي المتغير والرغبة تقودني إلى أحاديث الكبار. خطواتي بدأت تنحني أبطأتها و صرت أسير بنعومة على أطراف أصابعي بدل الجري والقفز داخل البيت والمدرسة . في قرارة نفسي استحسن ويصفق الفرح في قلبي لما أتأمل في تفاصيل جسدي شديدة الأغراء ، أقف أمام المرآة طويلاً وأنا أتقلب يميناً ويساراً، وأحاول أن أرى ظهري، فكثير من الصبية يتغنون بعجيزتي وهم يسيرون خلفي، فأحث خطاي المرتبكة للوصول للبيت وإن في قرارة نفسي أتمنى أن يبتعد البيت أكثر فأكثر ويمتد الوقت لأستمتع بكلماتهم ونكاتهم وإطرائهم بجمالي وطولي. أرقب صدري الناتئ البارز بشكل لافت، أترك شعري ينطلق ويسرح بحرية على كتفي. أتحين الفرص للمكوث طويلاً أمام النافذة والنظر للمارة من خلال الستائر، أتأمل بأعجاب خطواتهم .. حركاتهم.. طريقة كلامهم .. ضحكاتهم خصوصاً بنات جيراننا الشابات ، أشعر بميل شديد لتقليدهن. ليس من المعقول الذهاب إلى الفراش قبل أن يصيبني النعاس فالتقلب على أثير السرير وعيني يجافيها النوم ، تبعث الأفكار بأيادٍ وشفاه ناعمة تداعب خيالي ، ترتفع حرارة جسدي وتخرج أنفاسي حارة من صدري ، أشتَم رائحة منبعثة من المجهول فتصارعني حتى أرتمي خاوية منهكة على سريري وأغط في نوم عميق وصدى دقات قلبي يظل يتردد في فضاء غرفتي..
أرتعب كلما أصابني ألم في بطني وقرب موعد دورتي الشهرية ، تضطرب حالتي ، تخور روحي خائرة وتفتر همتي ويصيبني قلق حاد وانفعال واشمئزاز من رائحتي الكريهة فكنت أخشى النفور والانطواء والانعزال وتصيبني حالات عصبية مكتومة، فالانتقال يتطلب الحرص والتقيد عكس ماكنت عليه، وألفيت في مكاني جالسة بدون حراك متكئة ومرفقي على ركبتي محتضنة وجهي براحتي يدي مستغرقة بقلقي والانكفاء بالصمت الطويل، . تطمئنني والدتي ،وأصبح في مثل هذه الأيام مَحَلَّ اعْتِناءٍ واهتمام، وتحيطني بالكثير من الرِعايَة وَالحنان، تغير من لهجتها ومعاملتها، تكلمني بطريقة أمرأة لامرأة وتحذرني من بعض التصرفات والأفعال وتوجهني بطريقة لطيفة محببة.. تعلو وجهي ابتسامة وضاءة رغم الشحوب والخوف.. لكنه خوف وألم مرحب به .أنظر لنفسي كملكة بدون منازع أو منافسة، التباهي أمام زميلاتي في المدرسة والتعالي، وأبلغهن أنني أقوم بشراء ملابسي بنفسي، فأنا من يختار الملابس، لقد اصبحت شابة وأن الدورة الشهرية تأتيني في موعدها المحدد وقد أثار ذلك حسد الأخريات واتهمني بالغرور. البحث طويلاً عن الملابس الضيقة أو القصيرة، رغم ممانعة أمي من شرائها ، لكني كنت أصر على ذلك، أرغب في إظهار مفاتن جسمي وأنني اصبحت أناقش وأرفض الكثير من النصح والأوامر التي تقيد حركتي، انزعج كثيراً من المراقبة على تصرفاتي من قبل أمي ، ودائماً كنت أقول لها أنني شابة بالغة وأجيد التصرف وكثيرة التعقل ولكن خوفها كان محط احباط .
طلبت مني والدتي الصعود للسطح لجمع غسيل نسيته هناك. تقافزت مسرعة في الصعود لانتهز فرصة رؤية السماء والنجوم والاستمتاع بانتعاشة الجو وعذوبته في هذه الصيفية الساحرة . بدأت في إنزال الأثواب والفانيلات عن حبل الغسيل ، أدندن اغنية عاطفية واستحضر أفكار الليل ، فجأة تحَرَّك شيء ما شديد السواد وداعب قدمي، شعرت بكلِّ جسمي يرتجِف بشدّة كأن الأرض زلزلت ، ندت عني صرخة وسقطت مغشية علي فوق بلاط السطح. لم أستفق الا وأنا على السرير وأبي يلوم أمي عن تركي أصعد السطح بالليل، ويطمئنني: أنها لم تكن سوى قطة لعينة.
الرغبة في الانتقام تتأجج في دواخلي وتقودني الى الدخول في مغامرة ، كنت حينها أنشر الغسيل، عندما سقطت ورقة على السطح من ذلك الشاب الوسيم والمتعجرف الذي كلما رآني ألعب في الشارع يوسعني ضربا . وبقلب مليء بالكبرياء والحقد وحب الانتقام على قدر الضرب الذي تلقيته على يديه. بدأت أرسم خطوط خطة محكمة للانتقاص من غروره الزائد، قمت بتمزيق رسالته الأولى أمام ناظريه وقذفتها في الهواء بعد قراءة كل كلمة وحرف فيها، لا أخفيكم سراً أنها الرسالة الأولى الغرامية التي أرسلت لي، حفظتها عن ظهر قلب رغم أني قرأتها مرة واحدة. ترك تصرفي انطباعا غريبا لديه وصدمه ، احمر وجهه خجلا ،وارتسمت عليه علامات الاستغراب ،في حين رحت أنا أتراقص على حبال الغسيل وبشائر النصر ترفرف فوق رأسي. في الليل وأنا في غرفتي يستطرد بي التفكير أنني حتى لو هزمته شر هزيمة لن أقلل من شأنه ووسامته ولطافته ومحبته الناس له ومن أهلي خصوصاً وأنني لن استطع طرده من مخيلتي واغلاق باب عقلي وقلبي دونه، أيقنت من ولعي الشديد به وقد بات ليلتها على سريري وفي حضني. فالكبرياء والحقد في وحدتي يتحول إلى حب ووله. ملاحقته اصبحت شبه يومية في طريق المدرسة وفي البيت وفي السطح وكلما خرجت أو نظرت على الشارع وجدته أمامي. النفور والعبوس بوجهه كان ديدني والابتسامة والخجل كانت سلاحه في معركة سلاحها الحركات والنظرات والصمت ، أول أشواط الهزيمة عندما كنت أتلقى رسائله الموضوعة في عش الحمام على سطحنا، كنت أقراؤها وأقوم بتمزيقها ووضعها في نفس المكان وفي اليوم التالي أجد رسالة أخرى ولكن لم تعد لدي القدرة على تمزيقها وبتُّ أحتفظ بها في ألبوم خاص وأخفيه في مكان أمن، أخرجها في الليل وأعيد قراءتها عشرات المرات على صوت غناء شاديه " الحب الحقيقي". كانت كلماته تهذي من بين السطور بأوصافي ومحاسني وأنه كان وما زال شديد الغيرة، وأنا لا أقل عنه حماساً وشوقاً لسماع صوته واستنشاق أنفاسه الخلابة ، ألمس الكلمات بأصابعي فكأني ألمس وجهه.. خصلات شعره الأسود الداكن، وأنا أحضن الورقة فأني أدس أنفي بين صدره . تلك الهزيمة جرأته على الاستمرار وكان دائماً يهديني أشرطة أغاني شادية وعبد الحليم. الهزيمة الثانية وبضربة جزاء التي تلقيتها عندما رفض مطلبي بتقبيل يدي تكفيراً عن تصرفاته تجاهي عندما كنت صبية وقيامه بضربي، رفض ذلك بشدة ولما أصررت على تنفيذ شرطي قام بدفعي على الحائط وصفعني حتى كدت أفقد وعيي ،نظر إلى أثر أصابعه على خدي ، اقترب مني تراجعت ، ثم في رقة بالغة أحنى رأسي وقبله و قفز عائداً إلى سطح دارهم واختفى. كانت تلك الصفعة أجمل وأعذب صفعة وقبلة تلقيتها في حياتي..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق