تسكنه حالة غريبة هذه الأيام ..يقفز في الهواء ..يتمايل ذات اليمين وذات اليسار ...يهرع كمن يخشى ظلّه ..يتلوّى على الأرض ثم يعيد القفز ...ينتصب واقفا ويداه إلى الأعلى في وضع المتأهب للنزال والعرق يتصبّب على ظهره مستقيما ليبلّل سرواله من الخلف وهو يلهث من شدّة التعب والظمأ والحماسة .
يقصد الحديقة حيث شجرة السنديان الضخمة ، يقف أمامها مزهوا وقد انتفخت أوداجه ...كيف لا وقد غرسها جدّه واعتنى بها أبوه حتى صارت على ما هي عليه ؟
في الحقيقة لا أحد يهتم بمن غرس شجرة السنديان ولكنه يصرّ على تذكير الجميع بذلك ....
جدّه لم يغرسها وأبوه لم يعتن بها يوما وهو مسكون بجنون العظمة فقط ، مفتون بأدوار البطولة ....هل كان جده في وضع يسمح له بغرس السنديان أو الزيتون حتى ؟ ألم يكن هناك من يفضّل شجر الغرقد مثلا ؟ هل كان أبوه يعتني بشيء على الإطلاق ؟ ألم تكن هناك نزوات مختلفة تشغله ؟
يتسلّق الشجرة العملاقة ، يصل إلى الأعلى ويطفق يغازل النجوم ويراقب الأرض عن كثب وهو متكئ على نمارق من أغصانها ،مغمورا بنقاء اللحظة وطهرها .
ظلال الأغصان المتشابكة على الأرض تبدع صورا عصيّة على الفهم ...
بابتسامة ساخرة صفراء تكشف عن أسنانه المخربة يستحضر ذكرى صديقه الذي قتله الظل ...حاول إنقاذه ،لكن يد الظل كانت الأطول ..صورة تخزّنها ذاكرته ويجترّها باستمرار وقد أصبح محكوما بالظل ..يدفعه نحو المجهول .
يغمض عينيه ويرخي لذهنه العنان.....
هل الفراغ هو أصل الكون حقا أم الفوضى هي الأصل ؟
أيمكن أن تكون لعنة أورانوس الأبدية على الابن كرونوس قد حلّت بالعالم أخيرا ؟ .....هذه الفظاعات ...هذه الدماء ....هذه الكراهية التي تغزو الكون ...ألا تفسّر تلك اللعنة؟
يتنفس بصعوبة كمن يصّعّد في السماء ..ينظر إلى الظّلال التي تتشكل أسفل
الشجرة ، شخوص كثيرة .....بطون منتفخة وأنوف طويلةوألسنة لاهثة .
تزداد الصورة وضوحا كلّما هبّت ريح أو لمع برق ....تزداد الصورة غموضا كلّما اهتز غصن أو حلّق طير ....
أصيب بالذعر والهلع .....يداه ترتعشان ...نظره يضعف ....شلّت حركاته وتجمّدت الدماء في عروقه ...فقد توازنه وهوى على الأرض وهو يتكور من الألم .
نهض بصعوبة وأسلم ساقيه للرّياح وهو يصرخ بصوت لا يكاد يبارح شفتيه : لن أسمح لك بقتلي أيّها الظل اللعين ...لن تتحكم بأنفاسي بعد اليوم ...لن تسيطر عليّ أبدا ...أبدا ...أكرهك ...أمقتك...أمقتك ....أكرهك....
28 / 08 / 2016
تزداد الصورة وضوحا كلّما هبّت ريح أو لمع برق ....تزداد الصورة غموضا كلّما اهتز غصن أو حلّق طير ....
أصيب بالذعر والهلع .....يداه ترتعشان ...نظره يضعف ....شلّت حركاته وتجمّدت الدماء في عروقه ...فقد توازنه وهوى على الأرض وهو يتكور من الألم .
نهض بصعوبة وأسلم ساقيه للرّياح وهو يصرخ بصوت لا يكاد يبارح شفتيه : لن أسمح لك بقتلي أيّها الظل اللعين ...لن تتحكم بأنفاسي بعد اليوم ...لن تسيطر عليّ أبدا ...أبدا ...أكرهك ...أمقتك...أمقتك ....أكرهك....
28 / 08 / 2016
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق