(إحذروا العتبات ...) جنيت
ملاحظة : بعض المعلومات عمدنا على إعادتها لغرض التذكير فالفائدة .
. . .
لكن في نص حسن المهدي تكون الهامشية المفترضة جلية ، ولها دلالة اللفظ ، لا دلالة النسق (اللفظ والعلامة أو الرقم) وهذا الأمر يتوضح من خلال بداية النص . وتقسيم الدلالة بين الجملة القصيرة (عناقيد العمر) وبين الجملة الطويلة { تلك العناقيد الحبرية العينين والشفتين واللسان تتلجلج ارديتها حين يلطمها فحيح الرياح في ليالي صخب عمياء ولما تبرد رمال الصحاري من طول ما شربت من شمس النهار العارية،}
فلو أننا وضعنا رقما أو علامة على مفردة (ــ)(عناقيد العمر) فيكون في الطرف الثاني من الجملة الطويلة ، الرقم الآخر
(ــ){تلك العناقيد الحبرية العينين والشفتين واللسان تتلجلج ارديتها حين يلطمها فحيح الرياح في ليالي صخب عمياء ولما تبرد رمال الصحاري من طول ما شربت من شمس النهار العارية،}
لكن الدلالة قد تعلقت باللفظ ، والكاتب ترك الرقم أو العلامة ، فكانت الدلالة منفردة في اللفظ دون الرقم أو العلامة .
(4)
عناقيد العمر..
حسن المهدي
عناقيد العمر ام عقابيل ذاكرة الزمن الموقد من شجرة ترضع لبن الأرض الزيتي.. تلك العناقيد الحبرية العينين والشفتين واللسان تتلجلج ارديتها حين يلطمها فحيح الرياح في ليالي صخب عمياء ولما تبرد رمال الصحاري من طول ما شربت من شمس النهار العارية، تلك التي تضاجع اجنحة الظلام على مرمى حجر من عمر مرصع بدمامل السراق الذين يتطفلون على زهور الحقل المستباح.. نعم، انها عناقيد عمري القميئة المتبرعمة في نبتة حنظل.. خذلتني وما عتبي على زمن مشى فوق الماء متنفسا من قدميه، بل على خشبة كانت في يوما روحا تداعب سنابل الحقل في قرية على الفرات ولم أعثر لها على أثر..
. . .
ــ جمع الدلالتين كوحدة دلالية معا ، التمركز في دلالة الرقم المجرد من النسق (الإشتغال الشعري لإحالة الرقم الى إيحاء دلالي ) وأثر أحدهما على الآخر من حيث الفعالية .
نبدأ من أية علامة أو رقم (ــ) مدوناً في أعلى الكلمة كما في الرسائل الجامعية ، ولدى نهاية الجملة ، أو الكلمة ، ويتلوه الهامش ليس تباعا ، وإنما على شكل مسافات أو أماكن غير مشروطة (التطبيق لاحقا)
إعطاء رقم متسلسل أو خلافه ، تصاعديا أو خلافه ، لمفردات يفترض أنها موجودة كهامشية في نهاية النص ، ويبدأ أيضاً من رقم أو علامة (ــ) الفارق بين وضع الهامش في النص أو هو : أن أي كلمة أو فقرة مُتصلة اتصالاً مباشرًا بالدلالة الأساسية بموضوع النص يكون مكانها النص لا غير .
من أهم ما ينفع البحث هو صعود الهامش من الأسفل الى الأعلى أو نزوله من الاعلى الى الأسفل (الطريقة السُلميّة) أو الصعود بطريقة النزول ، والنزول بطريقة الصعود (الفوضى) وفك إرتباطه بموضوعية الهامشية ؛ فيكون الغرض وما نفهمه إلا تعبيرا عن منجز تُدرك به الهوامش الحقيقية في دلالة جديدة أو أن تكون الهوامش مفترضة(بمعنى هنالك الفاظ لا يقدر لها أن تكون ذات طابع هامشي ، نحو (قلم ، ظلم ، شعر) لوضوح الرؤية فيها لتكون في قلب الدلالة ويكون بذلك قد حققنا تلافي الهوامش أولا واغناء النص (مخيلة) ثانيا ، وبالتالي إيقاف تهميش الحواشي والدعوة إلى تأميم فلسفة الهامش ونزعتها الأدبية ، والإقتراب من مستويات من الفكر التي تؤمن لنا ذلك .
مفهوم (نثر الهامش) سواء كان مفترضا أو كان موجودا في النص ، ودمج الهامش بالنص أو نقلِ الهامش إلى ما يستحق أن يكون عليه ، نابع من استرجاع مكانة المسلوبات حقّها ، وعدم تهجين النص الأدبي بالتقريرية . فيكون السائغ بلا تعكير أو تطعيم .
. . .
لماذا الترقيم ؟
تناول الفلاسفة الأعداد منذ عهد فيثاغورس وربما قبله في بلاد سومر ، والذي أعلن أنها الأول أنها وجود حسي في الموسيقى والأخلاق والهندسة فهي إذن وجودا محسوسا تتناقله الذاكرة ... فيما عدّ إفلاطون في الأعداد المثالية (الصور) هي من مبادئ الأشياء وأيده أرسطو ورجح قوله على فيثاغورس ، أما أرسطو فيكفي أن يوصي الأسكندر بعد أن طلب الأخير منه يوصيه قائلا :(لا صديق أشرف من حكيم ، ولا علم أشرف من الحكمة ، واشرف فنونها كما علمت أيها الملك ، هو علم أسرار الحروف والأعداد) .
ففي "نثر الهامش " تتعدد الأفكار وتتزاحم إمكانيات الأدباء وتتلاقح في تلك السعة والحرية وفضاء اللغة المفتوح وتتبارى الإمكانيات الأسلوبية والتعبيرية ، فالهامش في حلته الجديدة هو عبارة عن مُدونات مفترضة ومفتوحة ترتقي سنام الشعرية في ذهنية الكاتب الأدبي ، يتصورها من خلال إختيار (المفردات) التي يظنها حاكمة على النسق والدلالة ، داخلة في بنية النص والأنساق الجُملية والشعرية ؛ وهي جزءٌ لا يتجزأ منه (النص) في الوقت نفسه ، الأمر الذي يجعل أعادة النظر في ما يسمى (النص الموازي) وفق معيار العتبة والعنوان والهامش... أي انتفاء الحاجة الى المكانية الهامشية ، لأنه لا يشترك في الدلالة ولا يتماهى روح النص ، وإنما يرسل برسائل قد تكون ضعيفة وبمثابة عوامل مساعدة في الفهم ، أو قد تقدح في الدلالة من خلال التباس وإصطدام التقريرية بالشعرية فينشأ فهم مغاير يؤخر ويوعك الدلالة ، لكن (نثر الهامش) يُقدمها للقارئ وكأنما يُقدم دلالات مستحدثة على ما يُسوّق من الأفكار، ويُقدّم من الإضافات ما يفيد الاستكانة . ويقضي على ظاهرة (التقشف اللغوي) و(التليّف العقلي) .
ليس شرطا أن يتناول الكاتب عملية ترقيم الهامش تصاعديا وانما يجوز التنازلي والفوضوي والعلاماتي (6 ــ 4 ــ 9 ...) ، (سيأتي تباعا ) وهذا يتوقف على مدى قدرة (الإسلوبية في طورها الميتافيزيقي) أن تتلاقح مع ذلك الهامش أو العلامة ، والتي نراها هي الكائن الوحيد في النص الذي بقي محافظ على قوته لتجديد مكانته دائما.
فانتقال الهامش الى النص وسعة المكونات الفكرية ، وأشراقة الكاتب ، واختيار العضويات المناسبة للنص لإحالتها الى دلالة ، ذلك كله يرتبط بنوع الأسلوب (الإبداع)أي أنه وُظِفّ نثر الهامش إشتغالا كلما زادت زاوية الرؤية العقلية والجمالية والدلالية ،
وتبقى المسافة بين سطح الفكرة وبين جهاز الاستشعار البشري يتنامى على شكل علاقة استطراد ، فيحدث انسجام القارئ مع النص وإحالته الى عقله دائما ، وعلاقته مع النص تكون علاقة ربط قرائني فنحصل على وفرة من النتائج الدلالية ... والسبب هو أنّ الهامش قد تمدد في داخل النص وتحول الى فرض أقوى من العنصر(الفضلة) . وتفلّته من القواعد والضوابط أسفل النص، لذا فإنّ طبيعة (فرض الهامش)غالباً ما تأخذ مساحات فكرية في التكوّن على وفق اجتهادات الكاتب ، فتكون تلك "نثر الهامش " هو مُدونات مفترضة داخلة في بنية النص، وهي جزءٌ لا يتجزأ منه في الوقت نفسه ، ووفق معيار العتبة والعنوان ، فهو (النص) يُقدمها للقارئ وكأنما يُقدم دلالات مستحدثة على ما يُسوّق من الأفكار، ويُقدم من الإضافات ."
الغرض الرئيس من (الهوامش المفترضة ) ليس التوضيح وتسمين المباشرة وزيادة في ابتذال المعيارية كما يظن القارئ ، وإنما إضافة جرعات جديدة من الدلالة ، أو استطراداتٍ قد يحتاجها الكاتب في إشباع النص ، وعليه أن يُراعي (الناص) عدم اشتمالها على معلومات معيارية مباشرة تُضافُ الى النص، فالغرض منها - كما أشرنا - هو ليس التوضيح والتوثيق والترشيق لمنظومة مصطلحية أو شخصية تاريخية مما يظن البعض أنه تلاعب في المصطلح لإحياء سمة المباشرة ، وإنما حصيلته استثمار اللغة ، فينبغي أن يحدث التفريق بين المستويين وإضافة قدرات لغوية جديدة تفيد أولئك الذين يمازون بسعة التوهج في الفكرة وغزارة الإنتاج .
قد يُكتب (نثر الهامش) مفترضا بطريقة الضمير الدال بدل اللفظ الصريح ، نحو :
التطبيق
(الأغنياء مجموعة الغرائز لفصيل من الرعاع إعطو لأنفسهم طبيعة من نوع آخر تفوق ما نسمّيه ــ نظام الإثارة ــ حيث يحتفظ كل واحد منهم بعلاجهِ الخاص أو لنقل بتبريره ــ دون زيادة ــ إنهم ليسوا ورعين من الآن فصاعدا ، لذا لا أشكّ بمن يقول : هؤلاء إكذوبة .)
الهامش المفترض : (الأغنياء ، هؤلاء إكذوبة)
علي عيدان عبد الله / كتاب السؤدُد ــ ص58 ، الدار العربية للعلوم ناشرون .
يُتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق